القاضي عبد الجبار الهمذاني

373

المغني في أبواب التوحيد والعدل

مستحقا لذلك ، بل المستحق به الثواب . ومن حقه أن يسقط ما يجرى مجرى المنافى له إذا زاد عليه ، والسؤال في ذلك ساقط . وأما التوبة فإنما حسن منه تعالى أن يكلفها لكي يخلص لهذا الباب ثواب طاعاته المستقبلة ؛ لأنه لولا التوبة ووجوب قبولها لم يكن لينتفع بطاعاته ؛ ولا بد منه تعالى إذا كلف تعريضا للثواب أن يجعل للمكلف طريقا إلى صحة الوصول إليه . فلهذا النفع كلف التوبة لا لدفع الضرر ، لكنه لما كان لا يصل إلى هذا النفع إلا بدفع الضرر تضمن زوال المضرة لكي يخلص هذا النفع . وهذا يوجب أنه تعالى لم يكلف إلا للنفع على ما بيناه . فيجب مثله فيما يفعله من الآلام في حال التكليف . على أن ما سأل عنه لا يوجب ما ذكره ، وذلك لأن التوبة من فعل العبد ، وقد ثبت أنه يلزمه التحرز من المضرة بما يمكنه من الأفعال . فكما يحسن منه دفع المضار المعجلة بما يتحمله من المضرة ، فكذلك المضار المؤجلة يحسن أن يسقطها بالتوبة ، وذلك مما لا ننكره في فعل / العبد ؛ وإنما أنكرناه في فعله تعالى للعلة التي بيناها . ومما يدل على ما ذكرناه أن من حق الضرر المدفوع بضرر معجل أن لا يكون واقعا ، لأن دفع الواقع لا يمكن . وإذا صح ذلك ، فلو استحق بالضرر الأوّل دفع ضرر ثان ، لكان المستحق في ذلك هو أن لا يفعل الضرر الثاني ، ولوجب أن يكون الّذي يستحق عليه أن لا يفعله هو فاعل الضرر الأول ، لأنه به يستحق ، فلا يجوز أن يستحق على غيره ، كما لا يجوز في العوض أن يستحق إلا على فاعل الألم أو من يجرى مجراه . وإذا صح ذلك فليس يخلو الضرر الثاني من أن يكون مستحقا أو غير مستحق ، وإن كان غير مستحق لم يجز أن يستحق عليه أن يفعله ؛ لأنه سواء فعل الألم الأول أو لم يفعله . والثاني غير مستحق ومن حقه أن لا يفعله تعالى إذا لم يكن هناك وجه يفعله لأجله سوى ما ذكرناه . وإن كان الضرر الثاني مستحقا ، فقد علمنا